محمد هادي معرفة

109

التمهيد في علوم القرآن

والقرآن لم يستعمل إلّا ما تعارف استعماله عند العرب وتداولوه فيما بينهم ، ولكن في طبقة أعلى وأرفع من حدّ الابتذال العامي ، فلا استعمل الوحشي الغريب ولا العامي السخيف المرتذل « 1 » . على حدّ تعبير عبد القاهر الجرجاني في أسرار البلاغة « 2 » قال التفتازاني : والغرابة كون الكلمة وحشية ، غير ظاهرة المعنى ، ولا مأنوسة الاستعمال ، فمنه ما يحتاج في معرفته إلى أن ينقر ويبحث عنه في كتب اللغة المبسوطة ، كتكأكأتم وافرنقعوا في قول عيسى بن عمر النحوي ، هاجت به مرّة وسقط من حماره فوثب إليه قوم يعصرون ابهامه ويؤذّنون في اذنه ، فأفلت من أيديهم وقال : « ما لكم تكأ كأتم عليّ كما تتكأكأون على ذي جنّة ، افرنقعوا عني ! » فجعل الناس ينظرون إليه ويقول بعضهم لبعض : دعوه فإنّ شيطانه يتكلّم بالهنديّة ! « 3 » قال : ومنه ما يحتاج إلى أن يخرّج له وجه بعيد ، نحو مسرّج في قول العجّاج : ومقلة وحاجبا مزجّجا * وفاحما ومرسنا مسرّجا « 4 »

--> ( 1 ) كقول العامة : أيش ، بمعنى أي شيء . وانفسد بمعنى فسد . ( 2 ) قال الجرجاني : وربما استسخف اللفظ بأمر يرجع إلى المعنى دون مجرد اللفظ ، كما يحكى من قول عبيد اللّه بن زياد لمّا دهش : « افتحوا لي سيفي » ! وذلك أنّ الفتح خلاف الإغلاق ، فحقّه أن يتناول شيئا هو في حكم المغلق المسدود ، وليس السيف بمسدود . وأقصى أحواله أن يكون في الغمد بمنزلة الثوب في العكم ( كالعدل : نمط تجعل المرأة فيه ذخيرتها . وبمعنى الجوالق ) والدرهم في الكيس والمتاع في الصندوق . والفتح في هذا الجنس يتعدى أبدا إلى الوعاء المسدود على الشيء الحاوي له ، لا إلى ما فيه . فلا يقال : افتح الثوب ( أسرار البلاغة : ص 3 - 4 ) . ( 3 ) المطول طبعة إسلامبول : ص 18 . وراجع الفائق للزمخشري : ج 2 ص 241 . نسب الجاحظ ذلك إلى أبي علقمة ، حدّث به ذلك في بعض طرقات البصرة . والمعنى : ما لكم اجتمعتم عليّ كما تجتمعون على مجنون ، تفرّقوا عنّي . ( 4 ) المقلة : حدقة العين . والمزجّج كمعظّم : المدقّق المرقّق . والفاحم : الشعر الأسود . والمرسن كمجلس :